مجلة ميان العرب | نــــزف ذاكـــرة مجلة ميان العرب

نــــزف ذاكـــرة

img
خواطر 0 آمال عبو

في أيلول ثمة خريف يمر كقطار، يحمل معه أوراقا مصفرة مع أول هبوب.
في أيلول ثمة رحيل ما، كنت أرى ذكراه منهمرة مع دموع أمي.
كنت صغيرة لم يتجاوز عمري السادسة عندما كانت تحتضنني أنا وأختي التي تصغرني بعام ونصف، نجلس في حجرها تحكي لنا حكاية الفدائي الذي ترك وظيفته المرموقة في شركة بريطانية في الكويت.
تحمل ألبوم صوره القليلة الذي احتفظت بها بالأبيض والأسود، كان يبدو فيها وسيما جميلا كأبطال الأفلام.
تقول والدموع في عينيها تتراقص كلهيب شمعة في ليلة عاصفة:
لم يكن إبنا للحياة ، كان يحيى اللحظة فقط، لم يفكر يوما كيف سيكون غده ولم يوفر دينارًا واحدًا مع أن عمله يدر عليه دخلا جيدا.
لم تعاصره أمي بدورها ، ولم يحالفها الحظ بأن تكون أكبر قليلا حتى ترتوي ذاكرتها بتفاصيل يومه ، تشبع من النظر إليه عيناها،
امتلأتْ بكل الحكايات عنه من جدتي والمحيطين به كما امتلأتُ أنا لاحقا منها.
بعد أربعين عاما ونيف وبينما كنّا نضع طعام الإفطار في يوم جمعة، اتصل بوالدتي أحد الأصدقاء الذي كان في زيارة إلى بيروت . جاء صوته عاليا من سماعة الهاتف ، تغيرت ملامح أمي وبدأت تنهمر دموعها وهي تستمع اليه بكل حواسها.
أسترقنا السمع معها ، قال أنه التقى بأحد الأصدقاءاللبنانيين وبينما هم يتبادلون أطراف الحديث ويتذاكرون أيام المقاومة في الستينات قال له هذا الصديق أن والدته ما زالت تحتفظ بصورة الفدائي الذي كان يكنّى ” تشي “وأنها كانت دائما تحدثهم عنه وعن بطولاته وكيف أنه قضى شهيدا في قيادته لعملية فدائية في ميونخ في ألمانيا.

كانت أمي تستمع إلى صديقها والكلمات تغص في حلقها، لم تتوقع أن تجد من عاصره أو عايش حياته الخاصة عن قرب إذ أنه غادر البلاد صغيرا والتحق بالعمل في شركة للبترول في الكويت كان يجيد الانجليزية لكنةً ولغةً وملامحه توحي بأنه أجنبي.

رجت أمي صديقها أن يوصلها بصديقه ولما تحدثت معه قال لها أنه لم يعي تلك الأيام ولم يكن مولودًا بعد لكنه وعدها بعد ساعة أن يسافر إلى ضيعته النبطية لتتحدث مع والدته التي عاصرته.
كانت أمي على السفرة تضع اللقمة في فمها تلوكها ببطء تحت أضراسها شاردة الذهن تائهة النظرات تلمع في عينيها بحيرة من دموع.
لم أدرِ كيف مر الوقت على والدتي شعرت بثقله على قلبها الذي بدا مرهقا بنبضه المتسارع ، وبين فينة وأخرى تنظر إلى عقارب الساعة تتنقل نظراتها بينها وبين الهاتف بين يديها.
تناولنا طعامنا بصمت احتراما لتلك اللحظات التي يبدو أنها كانت تعايشها لم ننبس بكلمة ، رتبنا السفرة وأمي لم تبرح مكانها منتظرة تلك الساعة التي بدت دهرا قبل ان تنتهي.
أتى صوتها عبر الهاتف:
– “أعرفه؟!!
أنا التي تعرفه، ما زال اسمه يتردد على شفتي ، كلما عصف عطره صاخبا ،أثار إعصارا من ذكريات
اربعة عقود طويت ، وما زال الجرح نازفا يعمد قلوبنا.”
لم تستطع أمي إيقاف تدفق كلمات السيدة التي انهمرت كسيل ، فتركتها تغرق روحها بتفاصيل ظلت تؤرقها.
تابعَت:
“- دق الباب هرعت أفتحه أربعة من الملثمين يسدون المدخل ، يسألون عن حسن أخي ومن غرفته تنهاهت إليه اصواتهم ،خرج دون أن ينبس بكلمة، لبس حذاءه ومشى معهم ، وابتلعتهم الطريق ، وبقيت أنا وامي نقف عند الباب.
خيم الوجوم على ملامحها، ساورها الخوف تذرع البيت جيئة وذهابا ،تتمتم بما لا أفهمه، خرجت على غير هدى، دارت بين البيوت مولولة: الكوماندوز خطفوا ولدي .
أجري وراءها كنت في الثالثة عشرة من عمري ، والمقاومة لم يمض على تشكيلها في الجنوب بضع سنوات ، كنت أرى المقاومين بلباسهم المميز وطلتهم المهيبة ، وزياراتهم الخاطفة لمنزلنا يعتريني الخوف ويعتري أمي الصمت .
بعد ساعة أو أكثر قليلا عاد حسن بهيئة أخرى ، ساهما تائه النظرات، تعتلي محياه الحيرة والخوف شعرت أن هناك سرا ما وراء هذه الملامح ، مع مرور الوقت تغيرت عاداته ، يتسلل من فراشه يغيب ساعات ويعود في وقت متأخر من الليل، يقفز عن السور متسلقا جذع شجرة التوت القريبة، ومنها يعتلي الجدار ينزل كلص كاتما أنفاسه وعلى رؤوس أصابعه يزحف إلى فراشه يختفي تحت الغطاء. وأنا أتململ أدعي النوم ، تفتح أمي عينيها تغطيني وتصمت.
ما سر صمت أمي؟ تساورني الأسئلة ولا إجابة سوى في ابتهالاتها وقت صلاة الفجر.

وذات مساء من مساءات تشرين،كان الجو عاصفا وضوء القنديل مرتجفا متراقصا، على صرير الباب استيقظت ،تسلل حسن بصحبته أحدهم يتسحبان ، وقف الشاب مديرا ظهره إلى الباب بينما والدتي انتفضت في فراشها مذعورة وهي ترى حسن يقترب منها مسرّا اليها ببضع كلمات لم أتبينها ، وضعت غطاء راسها وحضرت فراشا بجانب فراش حسن ونادت بصوت خفيض أدخل يا بني ،تنحنح الأخير ،ألقى التحية وجلس حيث فرشت أمي.
من تحت الغطاء الذي يدثرني اختلست النظر لذلك الشاب الذي بدا لي وسيم المحيا هادئ الملامح، في عينيه حزن عميق وعلى شفتيه ابتسامة شقت طريقها الى روحي .
لا أدري كيف مضت تلك الليلة، و شاب غريب ينام في فراشنا بذات المكان الذي يحتوينا أنا وعائلتي الصغيرة ، أبي وأمي وأخي وأختي ، في غرفة لا تتجاوز مساحتها مع مطبخها عشرين مترا مربعا .
لم يتنفس الصبح بعد لكنني استيقظت على تراتيل أمي على سجادة الصلاة ، تلفّتُ فلم أجد إلا حسن متلفعا ببطانيته ومكان ذلك الشاب خاليا .
مرّت أيام دون أن يعود ذلك الشاب بصحبة حسن ، لكن ما طرأ على أخي أنه بدأ يتغيب عن البيت كثيرا حتى أنه ينام بالليلتين أو الثلاث خارجا ، وعندما كنت أسمع ﻫﻤﺲ أمي لأبي وهي تسلمه صرة من الطعام يلفها تحت إبطه مخفيها بلباسه الشتوي ” البالطو” : إنتبه للطريق يا أبا حسن لا تغب كثيرا لا تجعلني أقلق عليك.
تقف على عتبة الباب تتأمل خطواته التي تبتلعها الطريق مع طيفه ، وتعود إلى فراشها متضرعة.
كنت أسمع بين الحين والآخر زخات من الرصاص ، فأفز مذعورة تهدهدني أمي تخفت ضوء القنديل وأنام متلفعة جسدها.
بعد فترة بدت لنا الضيعة بشكل مختلف ، يزورها الفدائيون بلباسهم المميز ، كنت أرى ذلك الشاب بصحبة حسن والذي تكررت زياراته لاحقا كان كلما أتى إلى بيتنا أتفحص ملامحه وهندامه الأنيق وذلك الخاتم الذي يزين بنصره الأيمن ، كنت أمازحه “تشي ” أعطيني هذا الخاتم فينظر لي بحنان الدنيا يربت على كتفي ويقول: إلا هذا يا صغيرتي إلا هذا إنه لأمي وأنا استمد منه بركة دعائها .
كنت كلما رأيت تشي مع رفاقه في بلدتنا كفار شوبا أرى هيبة عجيبة تجتاحها، نمشي ورائهم منبهرين بهم وبأسلحتهم التي يمتشقونها، بدت لنا ضيعتنا كحصن منيع بوجودهم وعندما كانت قوات الاحتلال تشن غاراتها كان هؤلاء الصقور لها بالمرصاد .
ذات يوم ما زلت اذكر تفاصيله ، جاء تشي ومعه حسن كانت أمي قد أعدت طعام الغداء مقلوبة فلسطينية بناء على رغبته تلك الطبخة التي كانت تذكره بطبيخ والدته ، وبعد تناولنا للطعام تحلقنا حوله ، أوصانا بدروسنا ومذاكرتنا انا وأختي ووعدنا بهدية إذا حصلنا على مجاميع جيدة ، أسر لأمي انه ذاهب في مهمة خارج البلاد وقد تطول غيبته وقد لا يعود ، رأيت رعبا في عينيها وخفق قلبي متسارعا وبادرته : لماذا تقول ذلك يا تشي؟
قال أنها مهمة دقيقة يا صغيرتي لكن لا تقلقي أنا بالقرب وإن غادرت فأنتم عائلتي في غربتي.
ودعناه بحرقة، تملص منا أنا وأختي ونحن نتعلق بيديه ، ولم نستطع أن نبتلع غصة لم تزل في حلوقنا عالقة كلما مرت ذكراه .
بعد أشهر جاءنا خبر استشهاده في ألمانيا اثر تنفيذه لعملية فدائية مع رفاقه السبعة .
جاءنا الخبر كالصاعقة وأغلقت الضيعة حدادا عليه تلقينا العزاء فيه كأهله وما زالت صورته تتصدر صدر البيت … وقلوبنا.

فاطمة نزال – رام الله – فلسطين

Author : آمال عبو

آمال عبو

RELATED POSTS

Leave A Reply

Show Buttons
Hide Buttons
Translate »